الغزالي

192

إحياء علوم الدين

فأبى أن يصافحني . فقلت رحمك الله يا أويس وغفر لك ، كيف أنت رحمك الله . ثم خنقتني العبرة من حبي إياه ، ورقتى عليه ، إذ رأيت من حاله ما رأيت ، حتى بكيت وبكى . فقال وأنت فحياك الله يا هرم بن حبان ، كيف أنت يا أخي ؟ ومن دلك علىّ ؟ قال قلت الله . فقال لا إله إلا الله سبحان الله ، إن كان وعد ربنا لمفعولا . قال فعجبت حين عرفني ، ولا والله ما رأيته قبل ذلك ولا رآني . فقلت من أين عرفت اسمى واسم أبي ، وما رأيتك قبل اليوم ؟ قال نبأني العليم الخبير ، وعرفت روحي روحك ، حين كلمت نفسي نفسك ، إن الأرواح لها أنفس كأنفس الأجساد ، وإن المؤمنين ليعرف بعضهم بعضا ، ويتحابون بروح الله وإن لم يلتقوا ، يتعارفون ويتكلمون وإن نأت بهم الدار ، وتفرقت بهم المنازل . قال قلت حدثني رحمك الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بحديث أسمعه منك . قال إني لم أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم تكن لي معه صحبة . بأبي وأمي رسول الله . ولكن رأيت رجالا قد صحبوه ، وبلغني من حديثه كما بلغك ، ولست أحب أن أفتح على نفسي هذا الباب ، أن أكون محدثا ، أو مفتيا ، أو قاضيا . في نفسي شغل عن الناس يا هرم بن حيان . فقلت يا أخي اقرأ علىّ آية من القرءان أسمعها منك ، وادع لي بدعوات وأوصني بوصية أحفظها عنك ، فإني أحبك في الله حبا شديدا . قال فقام وأخذ بيدي على شاطئ الفرات ، ثم قال ، أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم ، ثم بكى ، ثم قال ، قال ربي ، والحق قول ربي ، وأصدق الحديث حديثه ، وأصدق الكلام كلامه ، ثم قرأ * ( وما خَلَقْنَا السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ولكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) * « 1 » حتى انتهى إلى قوله * ( إِنَّه ُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) * « 2 » فشهق شهفة ظننت أنه قد غشى عليه . ثم قال ، يا ابن حيبان ، مات أبوك حيبان ، ويوشك أن تموت ، فإما إلى جنة وإما إلى نار . ومات أبوك آدم ، وماتت أمك حواء ، ومات نوح ، ومات إبراهيم خليل الرحمن ، ومات موسى نجى الرحمن ، ومات داود خليفة الرحمن ، ومات محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم ، وهو رسول رب العالمين ، ومات أبو بكر خليفة المسلمين ، ومات عمر بن الخطاب أخي وصفيي . ثم قال يا عمراه يا عمراه . قال فقلت رحمك الله إن عمر لم يمت ، قال فقد نعاه إلىّ ربي ، ونعى إلىّ نفسي

--> « 1 » الدخان : 38 « 2 » الدخان : 42